بدء الخليقة

لماذا قدّم الإنسان، عبر العصور، ذبائح من الحيوانات الطّاهرة؟ و لماذا كان يشعر بالارتياح عند رؤية دم ذبيحة مقدّمة لله تعالى؟ هل يُحَدّثنا التاريخ عن سببٍ لذلك أو عن طبيعة الإنسان التي تجعله يعتمد على الذبائح لكسب رضى اللّه خالقه ؟ نعم، وعلى الرّغم من أن ديانات عديدة أساءت استعمال مبدأ تقديم الذبائح، نرى أنّ الله تعالى له قصد معّين من وراء هذه الفكرة. فلنرجع إلى البداية…

إن أول ذبيحة مقبولة قدّمها الإنسان إلى الله كانت خروفاً بكرياً سميناً.

نقرأ في أول أسفار الكتاب المقدس ما يلي :

“… و اضطجع آدم مع حوّاء إمرأته فحبلت و ولدت قايين فقالت : ” رزقني الرب ابناً . ” ثمّ عادت فولدت أخاه هابيل. وكان هابيل راعياً للغنم وكان قايين فلاحاً يفلح الارض. و مرت الأيام فقدّم قايين من ثمر الأرض قرباناً للربّ. وقدّم هابيل أيضاً من أبكار غنمه و من سمانها. فنظر الربّ إلى هابيل وقربانه. و لكن إلى قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جداً و عبس وجهه. ” ( تكوين 4 :1 -5 )

ولكن، لماذا قبل الله تقدمة هابيل ورفض تقدمة قايين؟

إن أفضل جواب لأيّ سؤال متعلّق بالكتاب المقدّس هو الجواب الموجود ضمن صفحات هذا الكتاب عينه. فلنرجع إذن إلى كتاب الله المقدّس وإلى قصّة آدم وحوّاء الواردة في الفصل الثّالث من سفر التكوين. هنا نجد أنّهما بعدما عصيا أمر الرّبّ الخالق وأكلا من الثمر المحرّم، ” انفتحت أعينهما وعَلِمَا أنّهما عريانان.” فالخطيئة جلبت فوراً الشّعور بالعار‏ إضافة إلى الموت. وما تهمّنا معرفته الآن هو بماذا حاول آدم وحوّاء أن يغطّيا عُريهما ؟ و ماذا كان الحلّ الإلهي السّليم؟

آدم و اِمرأته حوّاء ” خاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر ” (تكوين 3 : 7). أَيْ أنهما حاولا أن يَسْتُرا عُرْيَهما بواسطة نتاج الأرض! و لكنّ الله لم يَرْضَ بهذا الحلّ فتدخّل ” و صنع الرّبّ الإله لآدم و اِمرأته أقمصة من جلد وكساهما” (تكوين 3 : 21). وهنا نلاحظ أن الحلّ الإلهي تطلّب أوّلاً أن يَذْبح الله حيوانا بريئا و يصنع من جلده أقمصة لِآدم و حوّاء. أَيْ أنّ دم حيوان بريء سُفِكَ عِوَضا عن الإنسان الخاطيء و استُخدم جلده لِسَتْر عُريه .

من هنا نفهم أنّ تقدمة قايين “من ثمار الأرض” كانت على مثال تفكير آدم وحوّاء النّاقص. بينما تقدمة هابيل “ذبيحة من الغنم” كانت على مثال تدبير الله الأفضل. واختيار هابيل لتقدمته كان تعبيرا عن إيمانه بالله:

“بالإيمان، قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من تلك التي قدّمها قايين. وبالإيمان ، شهد الله له أنه من الأبرار عندما رضي بقرابينه، و بالإيمان ما زال يتكلم بعد موته.” (رسالة العبرانيين 11 : 4)

و نتيجة لإختيار هابيل الذبيحة المعبّرة عن إيمانه بالله، وهي التي حَظِيَت بِقَبول الله، اغتاظ أخوه الأكبر قايين لأن تقدمته هو لم تَلْقَ الإستحسان لدى الله تعالى. و غَضَبُ قايين على أخيه هابيل جعله يُقْدِم على قتله. فَبَدَل أن يتواضع و يطلب من أخيه خروفاً يسفك دمه أمام الله، اعتمد قايين على قوّته وسفك دم أخيه الرّاعي! و هكذا صار بِكْرُ آدم وحوّاء أوّل المجرمين القتلة !

إن الخطيئة التي دخلت إلى حياة آدم و حوّاء دخلت أيضاً إلى حياة أولادهما و ظهرت بأشنع وجه لها في حياة قايين. وبعدما تكاثر النّاس على الأرض و تكاثر شرّهم، قرّر الخالق أن يُفْنِيَهم بواسطة الطوفان العظيم. و لم يَنْجُ من غضب الله إلاّ نوح و عائلته. و الجدير بالملاحظة هو أن أوّل عَمَلٍ عَمِلَه نوح بعد الخروج من الفلك (سفينة النجاة) هو تقديم الذبائح لله تعالى :

” و بنى نوح مذبحاً للرّبّ، وأخذ من كلّ البهائم الطّاهرة و من كلّ الطيور الطاّهرة و أصعد مُحرقات على المذبح.” (تكوين 8 : 20)

وعندما نتأمل حياة إبراهيم الخليل، نجد أنّه اتّبع مثال هابيل و نوح الّبارّين :

” وظهر الرّبّ لأبرام (أي إبراهيم) وقال : لنسلك أهب هذه الأرض. فبنى هناك مذبحاً للرّب الذي ظهر له.” (تكوين12 : 7)

وتستوقفنا في حياة إبراهيم حادثة هامّة لها صلة وثيقة بموضوعنا :

” وحدث بعد هذه الأمور أن الله اِمتحن إبراهيم . فقال له: يا إبراهيم، فقال هأنذا. فقال : خُذْ ابنك وحيدك الذي تحبّه إسحاق و اذهب إلى أرض المُريّا وأصعده هناك مُحرقة على الجبل الذي أَدُلّك عليه. فبكّر إبراهيم صباحا وشدّ على حماره وأخذ اثنين من غلمانه معه وإسحاق ابنه وشقق حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله.

و في اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد . فقال إبراهيم لغلاميه اجلسا أنتما هنا مع الحمار. و أمّا أنا و الصبي فنذهب إلى هناك و نسجد ثمّ نرجع إليكما. فأخذ إبراهيم حطب المحرقة و وضعه على إسحاق ابنه و أخذ بيده النار و السّكّين، فذهبا كلاهما معا. وكلّم إسحاق إبراهيم أباه و قال: يا أبي، فقال: هأنذا يا ابني، فقال: هنا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة. فأجاب إبراهيم: الله يدبر له الخروف للمحرقة يا ابني. و سارا كلاهما معا.

فلمّا أتيا الى الموضع الذي قال له الله ، بنى هناك إبراهيم المذبح و رتّب الحطب و ربط إسحاق اِبنه و وضعه على المذبح فوق الحطب. ثم مدّ إبراهيم يده وأخذ السّكّين ليذبح اِبنه. فناداه ملاك الرب من السماء و قال: ” إبراهيم إبراهيم! ” فقال: “هأنذا.” فقال: ” لا تمدّ يدك إلى الصبي و لا تفعل به شيئاً. لأني علمت أنك خائف الله فلم تُمسك ابنك وحيدك عنّي. فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش (خروف) وراءه مُمسكا في الغابة بقرنيه. فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عِوَضا عن ابنه.” (تكوين 22 : 1-13)

كان سؤال إسحاق لأبيه إبراهيم : ” أين الخروف للمحرقة ؟ ” و هو سؤال منطقّي و في محلّه. و لكن جواب إبراهيم لابنه : ” الله يدبر له الخروف للمحرقة يا ابني ” ، يدل على الإيمان بالله القادر على كلّ شيء. و بالفعل، جاء الخروف البديل عن اِبن إبراهيم بطريقة عجيبة.

وكما بنى إبراهيم مذابح للرّبّ، كذلك فعل إسحاق و يعقوب :

” فظهر له الرّب في تلك الليلة و قال أنا إله إبراهيم أبيك، لا تخف لأنّي معك و أباركك و أكثّر نسلك من أجل إبراهيم عبدي . فبنى هناك مذبحاً و دعا باسم الرّب ، و نصب هناك خيمته وحفر هناك عبيد إسحاق بئرا . ” (تكوين 26 : 24،25)

” ثم قال الله ليعقوب قم اِصعد إلى بيت إيل و أقم هناك واصنع هناك مذبحاً لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك. فقال يعقوب لبيته و لكلّ من كان معه اِعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهّروا و ابْدِلوا ثيابكم. و لِنَقُم و نصعد إلى بيت إيل، فأصنع هناك مذبحا لله الذي استجاب لي في يوم ضيقتي وكان معي في الطّريق الذي ذهبت فيه . ” (تكوين 35 : 1-3)

ونرى فيما بعد أنّ مبدأ تقديم الذبائح لله تثبّت بقوة في الشّريعة التي أعطاها الله للنّبي موسى و تحدّدت في هذه الشّريعة أحكام الذّبائح على أنواعها.

ومن الشروط الأولية لكلّ الذبائح هو ما يلي :

” لا تذبح للرّب إلهك ثوراً و لا شاة فيه عيب أو شيء ما رديء. لأنّ ذلك رجس لدى الرّبّ إلهك . ” (تثنية 17 : 1)

أما أوّل ذبيحة في عهد موسى فكانت ذبيحة الفصح عشيّة خروج بني إسرائيل من أرض مصر. و لهذه الذبيحة قصّتها:

” وكلم الر‏ّب موسى و هرون في أرض مصر قائلا، هذا الشّهر يكون لكم رأس الشّهور و أوّل شهور السّنة.أخبر جميع بني إسرائيل أن يأخذ كلّ واحد منهم في العاشر من هذا الشهر خروفا واحدا عن أهل بيته . فإن كان أهل بيته أقل من أن يأكلوا خروفا ، فليشارك فيه جاره القريب من منزله حتى يجتمع عليه عدد من النفوس يكفي لأكل الخروف . ويكون الخروف من الغنم أو المعز ، وتأخذونه صحيحا ذكرا ابن سنة . وتحفظونه عندكم إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر ، فيذبح كل بني إسرائيل معا خرافهم في العشيّة ، و يأخذون من دمه و يرشونه على جانبي الباب و عتبته العليا في المنازل التي يأكلونه فيها … و أنا أعبر أرض مصر في تلك الليلة و أقتل كل بكر فيها من الناس و البهائم ، وأنزل عقابي بجميع آلهة المصريين ، أنا الرب فيكون الدم على البيوت التي أنتم فيها علامة لكم . فأراه و أعبر عنكم و لا أفتك بكم وأهلككم إذا ضربت أهل مصر . ” (خروج 12 : 1-7 و 12،13)

و هكذا حصل تماما كما قال الله على فم كليمه موسى، فنجا من الموت كلّ الأبكار الذين رُشّ على أبواب بيوتهم دم خروف الفصح. لأنّ دم الخروف سُفك بدلا عنهم. و نتيجة لهذه الضربة الهائلة التي أصابت المصريين قرّر فرعون إخلاء سبيل بني إسرائيل ليرحلوا من أرض مصر.

و لكنّ الشّعب الذي أنقذه الله تعالى من وطأة العبوديّة في أرض مصر لم يمتثل فيما بعد لأوامر الرّب بل تمرّد عليه تكرارا واستخفّ بأحكامه و شريعته. وعلى ‏‏الرّغم من إرسال الله العديد من الأنبياء لتحذير بني إسرائيل وردّهم عن شرورهم، إلاّ أنّهم استمرّوا في عصيانهم لله تعالى. وهذا ما نطالعه بوضوح في كتب العهد القديم. وكلام النبّي إشعياء يعبّر أصدق تعبير عن اِشْمئزاز الله تعالى من الرّياء الدّيني الذي مارسه بنو إسرائيل :

” ما فائدتي من كثرة ذبائحكم؟ شبعت من محرقات الكباش و شحم المسمّنات . دم العجول و الكباش والتيوس ما عاد يرضيني . حين تجيئون لتعبدوني ، من يطلب ذلك منكم ؟ لا تدوسوا بيتي بعد اليوم و بتقدماتكم الباطلة لا تجيئوا إلي ، فرائحة ذبائحكم معيبة عندي . شعائر رأس الشهر و السّبت والدعوة إلى الصلاة لا أطيقها ، و لا أطيق مواسمكم و احتفالاتكم . رؤوس شهوركم و أعيادكم كرهتها نفسي . صارت ثقلا علي و سئمت احتمالها . إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عيني عنكم ، و إن أكثرتم من الدعاء لا أستمع لكم ، لأن أديكم مملوءة بالدماء . فاغتسلوا و تطهروا وأزيلوا شر أعمالكم من أمام عينيّ وكفوا عن الإساءة . تعلموا الإحسان و اطلبو العدل . أغيثوا المظلوم و أنصفوا اليتيم وحاموا عن الأرملة . ” (إشعياء 1 : 11-17)

هذا كلّه يدلّ دلالة أكيدة على أنّ الشعب الذي أعطيت له الشريعة التي تنصّ على ضرورة التكفير عن الذنب والخطية بواسطة الذبائح لأنّ الله تعالى قدّوس يكره الذنوب و الخطايا، لم يكن أكثر تقوى من سائر الشعوب التي كانت تجهل الشريعة. فلإنسان، كائنا من كان، من نسل إبراهيم الخليل أو من نسل غيره، هو خاطيء بطبيعته و يحتاج إلى ذبيحة كاملة مقبولة من الله القّدوس مرّة واحدة و إلى الأبد . حاجة الإنسان هي إلى خروف كامل بريء يقدر دمه الطّاهر أن يكفّر عن كلّ الذنوب فلا يعاود الإنسان تقديم الذبائح مرّة بعد مرّة. وهذه الذبائح، على كلّ حال،

” لم تكن قادرة أن توصل إلى الكمال أولئك الذين يتقربّون بواسطتها إلى الله، مقدّمين دائما الذبائح السنويّة عينها .” (رسالة العبرانيين 10 : 1)

وهنا نرجع إلى سؤال إسحاق المنطقّي لأبيه إبراهيم :

” أين الخروف ؟ ”

إنه سؤال يجب أن يسأله كلّ إنسان بدون استثناء : أين الخروف الكامل المقبول من الله تعالى القادر أن يكفّر عن كلّ ذنوب البشر مرّة واحدة و إلى الأبد ؟

ولا نجد إلا جواب الإيمان بالله القدير، جواب إبراهيم أبي المؤمنين لابنه العزيز على قلبه:

” الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني .”

و عندما نقرأ سفر النّبي إشعياء، نلاحظ وجود وعد إلهي بإرسال مُنقذ للعالم. و في الفصل الثّالث و الخمسين، يَرِدُ وصف لهذا المنقذ الذي سيكون مثل خروف يُقاد إلى الذّبح و بذبيحته يحمل خطايا كلّ العالم .

” لكن أحزاننا و أوجاعنا تحمّلها ونحن حَسِبْناه مُصابا مضروبا من الله ومذلولا . و هو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شُفينا . كلّنا كغنم ضللنا مِلْنا كلّ واحد إلى طريقه و الرّب وضع عليه إثم جميعنا . ظُلم أمّا هو فتذلل و لم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه . ” (إشعياء 53 : 4-7)

هذه الفقرة لا تشير إلى شخص في أيّام النّبي إشعياء، بل إلى الشخص الموعود به من قِبَلِ الله تعالى لينقذ العالم. و عندما ظهر هذا الشخص المرسل من الله عرفه و عرّف عنه يوحنّا بن زكريا آخر أنبياء العهد القديم .

” و في اليوم التّالي رأى يوحنا يسوع آتيا نحوه ، فهتف قائلا : هذا هو حمل الله (أي خروف الله) الذي يزيل خطيئة العالم. هذا هو الذي قُلتُ عنه إنّ الرّجل الآتي بعدي متقدّم عليّ لأنّه كان قبل أن أوجد . ” (يوحنا 1 : 29،30)

و النبيّ يوحنّا لم يتكلّم من نفسه، بل أوحى الله تعالى له أنّ يسوع النّاصريّ هو (خروف الله). إذن جاء الجواب على السّؤال الملّح: (أين الخروف ؟)، على لسان يوحنّا المعمدان بوحي من روح الله القّدوس.

إنّه من الصعب علينا نحن البشر أن نفهم فوراً سبب موت المسيح البارّ الذي لم يستحقّ الموت بتاتاً إذ أنّه لم يقترف أيّ ذنب و لم يعرف أيّة خطيئة. ولكنّ المسيح القدّوس أكّد لتلاميذه أنّه سيكون، بمحض اختياره، الذبيحة الكاملة المقبولة عندما قال:

” إنّ الآب يحبّني لأنّي أبذل حياتي لكي أستردّها . لا أحد ينتزع حياتي منّي، بل أنا أبذلها باختياري. فلي السلطة ان أبذلها و لي السلطة أن أستردّها . هذه الوصيّة تلقّيتها من أبي .” (يوحنا 10 : 17،18)

” لابدّ أن يتألّم ابن الإنسان كثيرا ويرفضه الشّيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثّالث يُقام . ” (لوقا 9 : 22)

“ها نحن صاعدون إلى أورشليم، حيث يسلّم ابن الإنسان إلى رؤساء الكهنة، و الكتبة، فيحكمون عليه بالموت، و يسلّمونه إلى أيدي الأمم، فيسخرون منه و يجلدونه و يصلبونه. و لكنّه في اليوم الثّالث يقوم . ” (متى 20 : 18،19)

إن كلّ الذي قاله المسيح البارّ تحقّق فعلا أمام شهود العيان الذين شهدوا بذلك:

” و حوالي الساعة الثّانية عشرة ظهراً، حلّ الظلام على الأرض كلّها حتّى السّاعة الثّالثة بعد الظهر. وأظلمت الشّمس، وانشطر ستار الهيكل من الوسط. و قال يسوع صارخاً بصوت عظيم: يا أبي، في يديك أستودع روحي! و إذْ قال هذا، أسلم الروح .” (لوقا 23 : 44-46)

” و اعلموا أنّه قد دفع الفدية ليحرّركم من سيرة حياتكم الباطلة التي أخذتموها بالتقليد عن آبائكم. و هذه الفدية لم تكن شيئا فانيا كالفضّة أو الذّهب، بل كانت دما ثمينا، دم المسيح ذلك الحمل الطّاهر الذي ليس فيه عيب و لا دنس! و مع أن الله كان قد عيّن المسيح لهذا الغرض قبل تأسيس العالم، فهو لم يُعلنه إلا في هذا الزمن الأخير لفائدتكم . ” (رسالة بطرس الأولى 1 : 18-20)

يسوع المسيح هو إذن (الخروف) الكامل الذي أرسله الله وسمح بسفك دمه الطّاهر الثّمين على الصّليب لكي يتمّ الفداء للبشر .

” إنّه لم يفعل خطيئة واحدة، و لا كان في فمه مكر. و مع أنّه أُهِين، فلم يكن يردّ الإهانة. وإذْ تحمّل الآلام، لم يكن يهدّد بالانتقام، بل أسلم أمره لله الذي يحكم بالعدل. و هو نفسه حمل خطايانا بجسده (عندما مات مصلوبا) على الخشبة، لكي نموت بالنسبة للخطايا فنحيا حياة البّر . ” (رسالة بطرس الأولى 2 : 22-24)

و نتيجة لذبيحة المسيح الكفّارية الكاملة بدأ عهد جديد بين الله القدير المحبّ و بين كلّ من يؤمن بيسوع المسيح الفادي. و مع بداية هذا العهد الجديد، بطل العمل بأحكام الشّريعة ولاسيّما في ما يختصّ بالذبائح.

” فقد كانت شريعة موسى تتضمّن ظلا واهياً للخيرات التي سيأتي بها المسيح، و لم تكن لتصوّر الحقيقة كما هي. ولذلك، لم تكن قادرة أن توصل إلى الكمال أولئك الذين يتقرّبون بواستطتها إلى الله، مقدّمين دائما الذبائح السنّوية عينها وإلا، لما كان هنالك داع للاستمرار في تقديمها! لأنّ ضمائر العابدين، متى تطهّرت مرّة واحدة إلى التّمام، لا تعود بحاجة إلى التّطهّر مرة ثانية: إذ يكون الشّعور بالذنب قد زال، ولكن في عمليّة تقديم الذّبائح المتكرّرة كلّ سنة، تذكير للعابدين بخطاياهم. فمن المستحيل أن يزيل دم الثّيران والتّيوس خطايا الناس… و لكنّ المسيح ، كاهننا الأعلى، قدّم ذبيحة واحدة عن الخطايا، ثمّ جلس إلى الأبد عن يمين الله… إذ أنّه، بتقدمة وحيدة، أوصل إلى الكمال، مرّة و إلى الأبد ، أولئك الذين قدّسهم .” (الرسالةالى العبرانيين 10 : 1-4،12،13)

” فالمسيح، كاهننا الأعلى، لم يدخل إلى قدس الأقداس الأرضيّ، الذي صنعته يد بشريّة و ما هو إلا ظلّ للحقيقة ، بل دخل إلى السّماء عينها ، حيث يقوم الآن بتمثيلنا في حضرة الله بالذّات. و هو لم يدخل ليقدّم نفسه ذبيحة مرّة بعد مرّة، كما كان الكاهن الأعلى على الارض يدخل مرّة كلّ سنة إلى قدس الأقداس بدم غير دمه. و إلاّ لكان يجب أن يموت المسيح متألّما مرّات كثيرة منذ تأسيس العالم ! و لكنّه الآن، عند انتهاء الأزمنة، ظهر مرّة واحدة لنزع قوّة الخطيئة بتقديم نفسه ذبيحة لله. فكما أنّ مصير الناس المحتوم، هو أن يموتوا مرّة واحدة ثمّ تأتي الدّينونة، كذلك المسيح أيضا: مات مرّة واحدة حاملا خطايا كثيرين، مقرّبا نفسه (لله) عوضا عنهم. ولا بدّ أن يعود إلى الظهور، لا ليعالج الخطايا، بل ليحقّق الخلاص النّهائي لجميع منتظريه!” (رسالة العبرانيين 9: 24-28)

يا لها من ذبيحة عُظمى لا تُقدّر بأيّ ثمن! وما أعجبها من ذبيحة إلهيّة تفوق تصوّر البشر! أن يأخذ المسيح القدّوس الأزلي مكان الإنسان المذنب الآثم فيُساق إلى الذّبح مثل خروف بريء!

و لكنّ المسيح الذي بذل جسده فداء للبشر بموته على الصّليب منذ حوالي ألفي سنة، قام من الموت في اليوم الثالث من دفنه و ظهر لتلاميذه ثمّ صعد إلى يمين الله في الأعالي .

و في آخر أسفار الكتاب المقدّس، وهو سفر الرّؤيا، يوصف المسيح وهو في مجده السّماويّ العظيم و علامات الجروح ظاهرة عليه :

” وأخذوا يرتّلون ترتيلة جديدة يقولون فيها: مستحق أنت أن تأخذ الكتاب و تفكّ ختومه، لأنّك ذُبحت، وبدمك اشتريت لله أناسا من كلّ قبيلة ولغة وشعب وأمّة، وجعلت منهم مملكة لإلهنا وكهنة له، وسيملكون على الأرض. ثمّ نظرت، فسمعت ترتيل الملايين من الملائكة وهي تحيط بالعرش وبالكائنات الحيّة والشيوخ، وهم يهتفون بصوت عال: مستحقّ هو الحمل المذبوح أن ينال القدرة والغنى والحكمة والقوّة والإجلال والمجد والبركة . ” (الرؤيا 5 : 9-12)

نعم، مستحقّ هو يسوع المسيح، الذي صُلب و مات بدلا عن كلّ البشر وسُفك دمه الطّاهر مثلما يُسفك دم الخروف، مستحقّ هو أن نقدّم له الشّكر والحمد لأنّه بموته الكفّاريّ أمّن لكلّ من يؤمن به غفران الله الكامل الشّامل .

هل تريد أن تنال الغفران الكامل من الله تعالى؟ إن كنت تريد حقّا أن يسامحك الله على كل ذنوبك وخطاياك ما عليك إلا أن تؤمن بالمسيح الذي قدّم جسده ذبيحة عوضا عنك إذ مات على الصليب. وبعد موته ودفنه أقامه الله من الموت ورفعه إليه تعالى. إنّ الله العادل والرحيم يَعِدُك بغفران كلّ ذنوبك إذا آمنت بالفادي يسوع المسيح، (خروف الله)، الذي سُفك دمه الكريم من أجلك.

فلكلّ إنسان يسأل بصدق:

” أين الخروف المقبول من الله تعالى ليكفّر عن ذنوبي كلّها؟”

لا يوجد إلا جواب واحد وحيد:

” هو الفادي يسوع المسيح ”

Feed